ابن كثير

230

البداية والنهاية

وغير نفحة أعواد تشب له * وقل ذلك من زاد لمنطلق بأيما بلد كانت منيته * إن لا يسر طائعا في قصدها يسق ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس وانحازوا إلى الظل فبكى وأنشد : من كان حين تصيب ( 1 ) الشمس جبهته * أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته * فسوف يسكن يوما راغما جدثا في قعر مظلمة غبراء موحشة * يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا ( 2 ) تجهزي بجهاز تبلغين به * يا نفس قبل الردى ( 3 ) لم تخلقي عبثا هذه الأبيات ذكرها الآجري في أدب النفوس بزيادة فيها فقال : أخبرنا أبو بكر ، أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد القراطيسي ، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي الدنيا ، حدثني محمد بن صالح القرشي ، أخبرني عمر بن الخطاب الأزدي ، حدثني ابن لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبي عمرة قال : أراد عمر بن عبد العزيز أن يبعثه رسولا إلى إليون طاغية الروم يدعوه إلى الاسلام ، فقال له عبد الأعلى : يا أمير المؤمنين ! إئذن لي في بعض بني يخرج معي - وكان عبد الأعلى له عشرة من الذكور - فقال له : انظر من يخرج معك من ولدك . فقال : عبد الله ، فقال له عمر : إني رأيت ابنك عبد الله يمشي مشية كرهتها منه ومقته عليها ، وبلغني أنه يقول الشعر . فقال عبد الأعلى : أما مشيته تلك فغريزة فيه ، وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه ، فقال له : مر عبد الله يأتيني وخذ معك غيره ، فراح عبد الأعلى بابنه عبد الله إليه ، فاستنشده فأنشده ذلك الشعر المتقدم : تجهزي بجهاز تبلغين به * يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا ولا تكدي لمن يبقى وتفتقري * إن الردى وارث الباقي وما ورثا واخشي حوادث صرف الدهر في مهل * واستيقظي لا تكوني كالذي بحثا عن مدية كان فيها قطع مدته * فوافت الحرث موفورا كما حرثا لا تأمني فجع دهر مترف ختل * قد استوى عنده من طاب أو خبثا يا رب ذي أمل فيه على وجل * أضحى به آمنا أمسى وقد حدثا من كان حين تصيب الشمس جبهته * أو الغبار يخاف الشين والشعثا

--> ( 1 ) في الكامل للمبرد 1 / 375 : تمس . والأشعث والشعثاء : الخاليان من الدهن . ( 2 ) في الكامل ، ورد البيت : في بطن مظلمة غبراء مقفرة * كيما يطيل بها في بطنها اللبثا ( 3 ) في الكامل للمبرد : يا نفس واقتصدي . . .